Advertisement

Responsive Advertisement

ما الذي كان تحت سرير أبي

 

كنت خائفة من العودة إلى المنزل.


​في الحقيقة، لا أظن أنني سأعود إليه أبدًا. لا يهمني أن كل ما أملكه هناك، ولا حتى أنه منزل طفولتي. لن أعود أبدًا.

​قبل بضعة أشهر فقط تلقيت المكالمة التي غيّرت حياتي بالكامل. كنت جالسة في سكن الجامعة أدرس لاختبار في علم النفس، عندما قطع رنين هاتفي الرتيب ذلك الصمت الهادئ.

​“ألو؟” أجبت بفتور.

​“السلام عليكم، هل أتحدث مع إليف؟” جاءني صوت رجولي غليظ عبر السماعة.

​“نعم… من معي؟”

​“أنا الضابط مراد من مركز شرطة سكاريا. والدك رشيد، صحيح؟”

​ارتجف صوتي وأنا أهمس: “نعم… هل كل شيء بخير؟”

​وصلني زفير ثقيل ومؤلم عبر الهاتف.

​كانت وفاة أبي أصعب من وفاة أمي. أمي كان رحيلها متوقعًا منذ زمن؛ السرطان التهم جسدها لسنوات حتى تركها مجرد ظل لإنسانة قبل أن تأخذ أنفاسها الأخيرة.

​أما أبي… فقد غرق.

​ليس في بحيرة، ولا في مسبح. بل داخل منزله. قالوا إنه غفا داخل حوض الاستحمام.

​بعد ثلاثة أيام من مكالمة الضابط، كنت أقف في صالة عزاء هادئة بمدينة سكاريا، أرتدي ملابس سوداء وأستمع لتلاوة القرآن التي تملأ المكان. وعندما وقفت أمام صورة أبي المعلقة قرب فناجين الشاي التركي، أدركت أخيرًا أنني أصبحت وحيدة تمامًا.

​في تلك الليلة، جلس معي محامي أبي ليشرح الوصية الأخيرة. كنت في حالة صدمة، بالكاد أستوعب الكلمات القانونية التي تتدفق من فمه. لكن جملة واحدة اخترقت ضباب عقلي:

“…وأخيرًا، ترك لكِ والدك كامل ممتلكاته، بما في ذلك المنزل.”

​“ماذا قلت؟” سألته.

​“والدك ترك لكِ المنزل، ومعظم مقتنياته.”

​“أوه…” كان هذا كل ما استطعت قوله.

​ثم أخرج ظرفًا صغيرًا وقال: “كما ترك لكِ هذا.”

شكرته ووضعته داخل حقيبتي دون اهتمام.

​مرت الأيام مليئة بالعزاء، وأكواب الشاي، والتواقيع على الأوراق الرسمية. نصحني الجميع ببيع المنزل لتغطية مصاريف دراستي… لكن كيف أبيع المنزل الوحيد الذي جمع عائلتي؟ لذلك احتفظت به.

​حوّلت دراستي إلى نظام أونلاين، وبعد أسابيع قليلة وجدت نفسي أعيش وحدي داخل المنزل.

​لا أحد يخبرك كم يكون الصمت عاليًا بعد انتهاء العزاء.

​في تلك الليلة، جلست وحدي أستعيد ذكرياتي مع أبي، وأنا أدرك أنه لن يصنع معي أي ذكرى جديدة أبدًا. وبينما كانت الدموع تنساب على وجهي، تذكرت الرسالة داخل حقيبتي.

​أخرجت الظرف ببطء وفتحته. كنت أنتظر كلمات مؤثرة… حكمة أخيرة… أي شيء.

لكن الرسالة احتوت على جملة واحدة فقط:

“احرصي دائمًا على إبقاء كوب ماء بجانب السرير.”


​ظللت أحدق بالجملة لوقت طويل قبل أن ينفجر الغضب داخلي. صرخت في المنزل الفارغ:

“هذا كل شيء؟! هذه أفضل نصيحة لديك؟ ماذا عن أحبك؟ أو أنا فخور بك؟!”

ثم انهرت أبكي: “ليش تركتني يا أبي؟…”

​في تلك الليلة… شربت حتى الثمالة.

​وعند الثالثة فجرًا، استيقظت فجأة وأنا أختنق، وكأن رئتيّ امتلأتا بالماء. قفزت من السرير ألهث.

​دخلت الحمام لأغسل وجهي، وعندما رفعت نظري إلى المرآة… رأيت حركة خلفي داخل انعكاس باب غرفتي المظلم. كانت حركة سريعة… متأخرة بثانية عن الإدراك.

​شعرت بـ قشعريرة تجتاحني. حملت فرشاة شعر كأنها سلاح ودخلت الغرفة: “في أحد هنا؟”

لكن الغرفة كانت فارغة.

​ثم سمعت صوت ماء يتساقط من الحمام. عدت ببطء… لأجد صنبور المغسلة مفتوحًا قليلًا. أقنعت نفسي أنني لم أغلقه جيدًا بسبب السكر والخوف.

​لكن الأمر لم يتوقف. كل ليلة… في الثالثة صباحًا… كنت أستيقظ وأنا أشعر أنني أغرق.

​إلى أن تذكرت رسالة أبي. في تلك الليلة وضعت كوب ماء بجانب السرير… ونمت. ولأول مرة منذ أيام… نمت بسلام.

​في الصباح، كان نصف الكوب فارغًا. أقنعت نفسي أنني شربت الماء أثناء النوم.

لكن في الليلة التالية… اختفى ماء أكثر. ثم وضعت علامة بالقلم على مستوى الماء. وفي الصباح… كان الكوب فارغًا بالكامل.

​بدأ الخوف يلتهمني. هل أنا من يشربه؟ أم هناك شيء آخر؟

​في الليلة التالية، وضعت أربع أكواب ماء، وشغلت تسجيلًا صوتيًا طوال الليل. وفي الصباح… كانت الأكواب الأربعة فارغة.

​شغلت التسجيل. لساعات لم يكن هناك شيء سوى صوت شخيري. حتى الثالثة صباحًا. عندها… سمعت صوتًا مرعبًا. صوت شيء يلتهم الماء بنهم وحشاني، كـ حصان عطشان يشرب بعنف. ولم يكن ذلك صوتي.

​اشتريت كاميرا مراقبة ليلية. وفي تلك الليلة، وضعت الكوب مجددًا ونمت بعد تناول حبوب منومة. في الصباح، أمسكت هاتفي وشغلت التسجيل.

​كل شيء كان طبيعيًا حتى الثالثة وواحدة دقيقة.

​ثم…

خرج شيء من تحت سريري.

​كان طويلًا بشكل مستحيل، لدرجة أن رأسه التصق بالسقف عندما وقف. ظهره هزيل ومبلل، وعظام عموده الفقري بارزة بشكل مقزز. ذراعاه طويلتان بشكل غير طبيعي.

​تحرك ببطء… وكأنه يملك الغرفة أصلًا. أخذ كوب الماء وشربه دفعة واحدة بـ صوت مقرف.

​ثم التفت نحوي وأنا نائمة. ومرر مخالبه بلطف على شعري ووجهي… حتى خدش خدي.

​عندها بدأت أتمتم وأنا نائمة: “أبي؟… هل هذا أنت؟”

​توقف الكائن للحظة. ثم بدأ يضحك. ضحكة مختنقة رطبة… غير بشرية.

​وقال بصوت متحشرج: “نعم… إنه أنا.”

​“اشتقت لك كثير يا أبي…”

​انحنى الكائن وقبّل جبيني… ثم عاد ببطء إلى أسفل السرير.

​لم أستطع التنفس. هربت من المنزل فورًا، وقدت لساعات طويلة حتى وصلت إلى فندق في مدينة بعيدة. لن أعود أبدًا.

​لكنني أعتقد… أنه يعلم أنني غادرت. لأنني ما زلت أراقب بث الكاميرا.

​وقبل ثلاثين دقيقة… خرج من تحت السرير.

​ومنذ ذلك الوقت… وهو يحدق مباشرة نحو الكاميرا.

​بـ عينين سوداوتين بالكامل… تتوسطهما نقطتان بيضاوان صغيرتان. لم يرمش ولو مرة واحدة.

​لقد تأخر الوقت الآن… وأنا خائفة من النوم.

​خائفة أن أغرق.




إرسال تعليق

0 تعليقات