الرابط الذي دمر حياتي.. والنسخة التي تطاردني
في تلك الليلة، قررت كسر الملل بتصفح الإنترنت، لكنني لم أستخدم حاسوبي المحمول الحديث والمخصص للعمل؛ بل أخرجتُ من درج مكتبي جهازاً عتيقاً، "لابتوب" قديم جداً من مخلفات أيام الدراسة، ما زال يعمل بنظام ويندوز 7 باهت وبطيء. كان هذا الجهاز مجرداً من أي معلومات شخصية، أو حسابات بنكية، أو بريد إلكتروني حقيقي. كنت أستخدمه فقط لتحميل الأفلام المقرصنة وتصفح المواقع المشبوهة، فلو أصابه فيروس خبيث أو تم اختراقه، لن يهمني أمره ولن أخسر شيئاً. السلامة الرقمية أولاً، كما تعلمون.
كنت أتصفح أحد المواقع الشهيرة بفضول عابر، أنتقل بين الصفحات والصور المصغرة، حتى وصلت إلى الصفحة الثالثة. وفجأة... تجمدت الشاشة وتوقف مؤشر الفأرة عن الحركة!
انبثق إعلان غريب استولى على كامل الشاشة. كانت صورة لوجه امرأة بشعر أسود داكن وقصير مجعد، وتحدق فيّ مباشرة بعينين بلون رمادي جليدي غريب، يحيط بهما سواد كثيف بدا كأنه مزيج من كحل سال ومكياج ملطخ باللون الأحمر. لولا دقة هذا المكياج المرعب، لقلت إنها امرأة لم تنم منذ أسابيع. لم يظهر من الصورة سوى وجهها وكتفيها العاريين، لكنها كانت تضم يديها أمام الكاميرا لتكشف عن معصمين مقيدين بحبل سميك.
وفجأة... انطلق صوت أنثوي حاد ومبالغ فيه من مكبرات الصوت القديمة للابتوب، وهي تقول بنبرة مشحونة بالإثارة الزائفة:
"هل أنت مستعد لتدميري.. ؟"
أجفلتُ وفزعتُ من المفاجأة، وتحركت يدي غريزياً لتخفيض الصوت بسرعة وكأنني مراهق يخشى أن يقتحم والداه الغرفة. وفي تلك اللحظة، ظهر مربع حواري صغير وباهت على الشاشة فوق وجه المرأة، بتصميم ويندوز الكلاسيكي القديم، وفيه سؤال واحد:
تدميري؟
[ نعم ] [ لا ]
ضحكتُ ساخراً من خوفي وتوتري غير المبرر. تباً، ما المشكلة؟ حركت الفأرة ونقرت على خيار [ نعم ]، وانتظرت بفضول ممزوج بالاستهزاء أن يفتح أحد مواقع الكاميرات الرديئة، لكن المربع اختفى ببساطة، وعادت الشاشة إلى طبيعتها وكأن شيئاً لم يكن. مرت ثوانٍ.. لا شيء. تصفحت بضعة مقاطع أخرى لعشر دقائق، ثم أغلقت الجهاز ونمت.
اختراق من نوع آخر
صباح الإثنين كان حافلاً. سياسة شركتنا الغبية تفرض علينا قضاء يوم الإثنين بأكمله في اجتماعات لا تنتهي لمناقشة خطط الأسبوع بدلاً من العمل الفعلي. مر اليوم سريعاً، وفي المساء عدت لشقتي، نظفت المكان، تحدثت مع منى هاتفياً واطمأننت على وصولها لرحلتها الجديدة، وأغلقت هاتفي ونمت مبكراً.
صباح الثلاثاء، جلست في مكتبي بالشركة وأنا أقاوم النعاس. فتحت لابتوب العمل الحديث، وحينها... كدت أقفز من مقعدي وأصرخ بصوت عالٍ!
لقد استُبدلت شاشة القفل الرسمية للشركة بصورة وجه تلك المرأة الشاحب! كان هناك إبهام ضخم ليد مجهولة يندفع من خارج الإطار، يشد شفتها السفلية بقوة ويجبر فمها على الانفتاح مفسداً أحمر شفاهها. وانطلق من اللابتوب نفس الصوت الحاد:
"لا يمكنني الانتظار حتى تدمرني..."
أغلقت شاشة اللابتوب بقوة وعنف (Slammed)، قاطعاً الصوت والحركة. تيبست في مكاني وعيناي تدوران برعب في أرجاء المكتب. كنت مرعوباً من فكرة أن أحداً قد سمع ذلك، ففضيحة الإشارة تعني خسارة وظيفتي فوراً بتهمة تصفح مواقع غير لائقة. انتظرت ثوانٍ مرت كأنها دهور، ثم التفت ببطء للخلف. لحسن الحظ، كانت المكاتب المجاورة فارغة باستثناء زميلي "خالد" الذي كان يبعد عني بضعة أمتار.
نظر إليّ خالد بابتسامة ساخرة وقال: "كل شيء تمام يا صاح؟"
تلعثمتُ وأنا أحاول حبس رعب الصدمة في صدري: "نعم.. نعم، كل شيء تمام."
فتحت شاشة الجهاز ببطء شديد، إنشاً تلو الآخر، كطفل يخشى خروج دمية مرعبة من صندوق. أضاءت الشاشة وعادت لطبيعتها، واختفت المرأة. قمت بتشغيل برنامج فحص الفيروسات فوراً، ثم أعدته ثانية وثالثة.. النتيجة: الجهاز نظيف تماماً!
لم يكن الأمر منطقياً أبداً. اللابتوب القديم في المنزل معزول، لا يحتوي على إيميل حقيقي، ولم أربطه يوماً بشبكة العمل أو بجهازي هذا. كيف وصلت هذه المرأة إلى هنا؟!
عدت إلى المنزل مساءً، وكم كانت فرحتي كبيرة حين رأيت سيارة خطيبتي منى في موقف السيارات. صعدت مسرعاً، فتحت باب الشقة، وكانت تنتظرني عند المدخل. انحنيت لأقبلها كالعادة بعد عودتها من السفر، ولكنني لم أستوعب إلا ويدها تهبط بـصفعة قوية على وجهي!
صرخت في وجهي وعيناها تلمعان بالدموع والغضب: "هل تعتقد حقاً أنني سأسمح لك بلمسي الآن؟ أغيب يوماً واحداً لأعود وأجد هذا القرف في استقبالي؟"
نظرتُ من خلفها مصدوماً نحو غرفة المعيشة. شاشة التلفزيون الذكي كانت مشغلة، وتعرض مشهداً لغرفة خرسانية رطبة ومعتمة، وفي منتصفها سرير حديدي متهالك، ترقد عليه تلك المرأة نفسها، عارية تماماً، ومقيدة الكاحلين والمعصمين بالإطار المعدني، والعرَق يتصبب من جسدها.
تابعت منى بصوت يرتجف: "لا أعلم إن كانت هذه دعابة سخيفة منك أو طريقة قذرة لطلب شيء ما، لكنني لست معجبة أبداً. أنت مقزز يا إياد!"
اندفعتُ خلفها وهي تتجه نحو الباب وأنا أتأتأ برعب: "منى، أرجوكِ انتظري.. دعيني أشرح لكِ، أنا لا علاقة لي بهذا!"
أبعدت يدي بعنف وصاحت: "لا تلمسني! اتركني وشأني!"
أُغلق الباب بقوة في وجهي. رحلت وتركتني وحيداً.. أنا وتلك المرأة التي لا تزال تحدق بلا تعبير من شاشة التلفزيون.
التقطت جهاز التحكم وبدأت أضغط على زر الإطفاء بغضب أعمى، لكن الشاشة لم تستجب. توجهت نحو القابس وفصلته من الجدار تماماً... مرت خطوط تشويش سريعة، لكن الصورة لم تختفِ! بقيت الشاشة تعمل بلا كهرباء!
وسالت دمعة سوداء من عين المرأة مفسدة مكياجها، وقالت: "أنا مستعدة لأُدمر."
بدأ صوت خطوات ثقيلة ومتهادية يصدر من سماعات التلفزيون. دخل الغرفة رجل ضخم يرتدي بدلة ميكانيكي كاملة زرقاء، ويغطي رأسه بـقناع تزلج أسود. كان يتحرك ببرود منهجي حول السرير، ويلتفت بين الحين والآخر يبتسم للكاميرا المخفية بأسنان بيضاء ناصعة. صعد فوق الفراش، وقف بكامل ضخامته فوق المرأة المستلقية، ثم جثا على ركبتيه فوق خصرها.
اقتربت الكاميرا (Zoom in) لتركز على وجهها. أمسك بوجنتيها بيده المغطاة بقفاز جلدي سميك، ولوى عنقها يميناً ويساراً كأنه يفحص بضاعة. ثم أدخل يده الأخرى في جيب بدلته وأخرج "كماشة" معدنية صدئة تلمع من الشحم والزيت.
بدأت المرأة تقاوم وتصرخ، وعضت على أصابعه المكسوة بالقفاز بلا فائدة. فتح فكها بالقوة وأدخل الكماشة. تغيرت زاوية الكاميرا لتصبح الرؤية من داخل فمها مباشرة؛ رأيت الفكين المسننين للكماشة وهما يطوقان ضرسها الخلفي.
توقف الرجل للحظة، وساد صمت قاتل... ثم سحب بقوة!
انطلق صراخ مرعب وممزق للمرأة، وامتزج بصوت انتزاع مقزز ورطب للضرس وهو ينفصل عن جذره ويتملص من بين لحم اللثة الدامي، حتى اقتُلع تماماً بصوت فرقعة مقززة. شعرت بأمعائي تلتوي وكنت على وشك التقيؤ في مكاني. وضع الرجل السن بلطف على جانب السرير، وأدخل الكماشة مجدداً..
واحداً تلو الآخر، وببطء منهجي بارد، بدأ يقتلع كل أسنانها. تحول صراخها إلى غرغرة مكتومة والدم يتدفق من الفراغات المفتوحة في فمها ويملاً وجهها. كان يضع كل سن بجانب الآخر في كومتين متناسقتين، حتى لم يتبقَ سوى السنين الأماميين (القواطع).
هنا، وضع الكماشة جانباً. التفت للكاميرا وابتسم مجدداً، ثم وضع إبهاميه الضخمين على السنين المتبقيين، وبدأ يضغط بكل قوته إلى الداخل. تصاعد صراخ المرأة إلى طبقة حادة ومرعبة، وكانت ذراع الرجل ترتجف من شدة المجهود، حتى انكسر السنان أخيراً بصوت عنيف، ممزقين جدار اللثة الأمامية في طريقهما للخارج.
رمى السنين فوق الكومة، أخرج سكيناً وقطع الحبال التي تقيد معصميها، ثم جذبها لتجلس مستقيمة بجانبه. كان الدم يسيل كالشلال من شفتيها المتورمتين وهو يضغط على وجنتيها بيده.
جلس الاثنان جنباً إلى جنب أمام الكاميرا مباشرة. اقتربت الشاشة من وجهيهما.. وببطء شديد، رفع الرجل قناع التزلج عن وجهه.
تجمدت الدماء في عروقي واتسعت عيناي من أثر الصدمة... الرجل كان أنا!
نفس ملامحي، نفس شعري، نفس العينين، وحتى الشامة الصغيرة أسفل عيني اليسرى.. كان نسخة مطابقة مني بنسبة 100%!
حدقت في الشاشة غير مصدق، وهو—أو أنا—انحنى نحو المرأة وهز وجنتيها بقوة. تحولت الكاميرا لملء الإطار بوجهها المحتقن بالدم والدموع، وبصقت كتلة من الدم، وتمتمت بصوت مشوه عبر لثتها الممزقة:
"هل.. هل تريد تدميري مجدداً؟"
وفي تلك اللحظة، ظهر المربع الرمادي الباهت مجدداً فوق وجهها، وفيه خياران:
[ نعم ] [ لا ]
وفي أسفل المربع، بدأ مؤقت بالعد التنازلي: 10... 9... 8...
دفعتُ بقبضتي بكل ما أوتيت من قوة في منتصف الشاشة مستهدفاً خيار [ لا ]. ضربتُ بقوة، مراراً وتكراراً، لكن الشاشة لم تستجب ولم يقبل الخيار اللعين. تفتت الزجاج وانغرس في لحم يدي، وسالت الدماء من مفاصلي وتناثرت على الشاشة وأنا أصرخ بجنون: "لا! لا!"
3... 2... 1...
أظلمت الشاشة تماماً قبل ثانية واحدة من وصول المؤقت إلى الصفر.
منذ تلك الليلة، طهرتُ حياتي تماماً من التكنولوجيا. تخلصت من التلفاز، الحواسب، وكل جهاز ذكي، ولم أحتفظ سوى بهاتفي المحمول في محاولة مستميتة للوصول إلى منى لشرح ما حدث، لكنها كانت تحظرني وتتجاهل مكالماتي دائماً.
ليلة أمس، استيقظت في الفجر على اهتزاز هاتفي. وجدتها مكالمة فائتة من منى، ورسالة صوتية تركتها في البريد الصوتي. وضعت الهاتف على أذني بلهفة، ولكن... جسدي بأكمله تجمد وصعقتني قشعريرة مرعبة وأنا أستمع لرسالتها:
"إياد.. أنا لا أعلم ما الذي تحاول فعله بحق الجحيم، لكن هذا الجنون يجب أن يتوقف فوراً! أعلم أنك تأتي إلى منزل والديّ ليلاً وتراقبنا.. لقد رأيناك تقف في ممر السيارات المظلم وتحدق في النوافذ. قد تظن نفسك ذكياً ومخيفاً.. لكنني أستطيع تمييز ملامحك وطريقتك في السير تماماً، حتى لو كنت ترتدي ذلك القناع الأسود اللعين!"


0 تعليقات